ابن رشد
315
تهافت التهافت
المركب بسيطا ، وعاد الكل هو الجزء وذلك كله مستحيل . وهذا القول إذا ثبت هاهنا كان مقنعا وإذا كتب على الترتيب البرهاني ، وهو أن يقدم له من النتائج ما يجب تقديمه أمكن أن يعود برهانيا . دليل سادس قال أبو حامد : قالوا لو كان العقل يدرك بآلة جسمانية كالإبصار لما أدرك آلته كسائر الحواس ، ولكنه يدرك الدماغ والقلب وما يدعي أن آلة له ، فدل أنه ليس آلة له ، ولا محلا وإلا لما أدركه . والاعتراض : على هذا كالاعتراض على الذي قبله . فإنا نقول لا يبعد أن يدرك الأبصار محله ولكنه حوالة على العادة . إذ نقول لم يستحيل أن تفترق الحواس في هذا المعنى وإن اشتركت في الانطباع في الأجسام كما سبق ولم قلتم أن ما هو قائم في جسم يستحيل أن يدرك الجسم الذي هو محله ولم يلزم أن يحكم من جزئي معين على كلي مرسل . ومما عرف بالاتفاق بطلانه وذكر في المنطق أن يحكم بسبب جزئي أو جزئيات كثيرة على كلي حتى مثلوه بما إذا قال الإنسان أن كل حيوان فإنه يحرك عند المضغ فكه الأسفل لأنا استقرأنا الحيوانات كلها فرأيناها كذلك ، فيكون ذلك لغفلته عن التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى وهؤلاء لم يستقرءوا إلا الحواس الخمس فوجدوها على وجه معلوم فحكموا على الكل به فلعل العقل حاسة أخرى تجري من سائر الحواس مجرى التمساح من سائر الحيوانات فتكون إذن الحواس مع كونها جسمانية منقسمة إلى ما يدرك محلها ، وإلى ما لا يدرك ، كما انقسمت إلى ما يدرك مدركه من غير مماسة كالبصر ، وإلى ما لا يدرك إلا باتصال كالذوق واللمس . فما ذكروه أيضا أن أورث ظنا فلا يورث يقينا موثوقا به . فإن قيل : ولسنا نعوّل على مجرد الاستقراء للحواس بل نعوّل على البرهان ونقول لو كان القلب أو الدماغ هو نفس الإنسان لكان لا يغرب عنه إدراكهما حتى لا يخلو أن يعقلهما جميعا كما أنه لا يخلو عن إدراك نفسه ، فإن أحدا لا يغرب ذاته عن ذاته بل يكون مثبتا لنفسه في نفسه أبدا والإنسان ما لم يسمع حديث القلب والدماغ ، أو لم يشاهد بالتشريح من إنسان آخر لا يدركهما ولا يعتقد وجودهما فإن كان العقل حالا في جسم فينبغي أن يعقل ذلك الجسم أبدا أو لا يدركه أبدا وليس واحد من الأمرين بصحيح ، بل يعقل حالة ولا يعقل حالة . وهذا التحقيق وهو أن الإدراك الحال في محل إنما يدرك المحل لنسبة له إلى المحل ولا يتصور أن يكون له نسبة إليه سوى الحلول فيه ، فليدركه أبدا وإن كان هذه النسبة لا تكفي فينبغي أن لا يدرك أبدا ، إذ لا يمكن أن يكون له نسبة أخرى إليه كما أنه لما أن كان يعقل نفسه عقل نفسه أبدا ولم يغفل عنه بحال . قلنا : الإنسان ما دام يشعر بنفسه ولا يغفل عنه فإنه يشعر بجسده وجسمه نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته ولكنه يثبت نفسه جسما حتى يثبت نفسه في ثيابه وفي بيته ،